قلن في الإمام
بقلم: زينب الجوهري
بسم الله الرحمن الرحيم
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا
ماذا عساني أقول في هذا الرجل العظيم الذي قل ما يجود الزمان بمثله، رجل تفرد بخصال عزّ اجتماعها في غيره في عصرنا، رزئت بفقده الأمة الإسلامية والعالم بأسره، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته بجوار النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
فهو العالم الزاهد، المجاهد المجدد، الداعية الرفيق، المربي المحتضن والمرشد المصحوب، لبى نداء ربه بعد مسيرة دعوية وجهادية طويلة في ميادين التربية والدعوة والبناء والعطاء المستمر تميزت باليقين في موعود الله تعالى بالنصر والتمكين، وبالثبات على الحق رغم السجن والحصار وكل ما لقيه من إيذاء.
رجل جمع مشروعه بين ترقب الآخرة والترقي في مدارج الإيمان ومقامات الإحسان، وبين الاهتمام بأمر المسلمين والسعي لإقامة العدل ونبذ الجور والاستبداد بكل أشكالهما، مشروع تحريري للإنسان والمجتمع أساسه الكرامة وغايته العمران الأخوي، منبثق من صميم همّه العدلي الإحساني وحرصه على إحياء سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
كما كان رحمه الله حريصا على إحياء نموذج الصحابيات اللائي تخرجن من مدرسة النبوة ومؤمنا بدور المرأة في بناء الأمة وصناعة مستقبلها، ترجم ذلك خلقه الرفيع في بيته ومع زوجه للا خديجة، وحرصه على تربية بناته وتعليمهن، هذه الأسرة الصامدة التي آزرت وآوت ونصرت وضحّت وبذلت وتحمّلت كل أشكال المضايقات، ولم يتزعزع إيمانها لحظة بمشروع هذا الرجل وبتأييد الله ونصره. هذا بالإضافة إلى رعايته الخاصة لبناته في جماعة العدل والإحسان، وإلى تهممه بقضية المرأة المسلمة عموما، التي حظيت بمكانة متميزة في مشروعه التجديدي، بدءا بحقها في طلب وجه الله تعالى والترقي في مدارج الإحسان، ثم حقها في التربية والتعليم من أجل أداء وظائفها على أحسن وجه: وظيفتها الأساسية في صناعة المستقبل وتربية الأجيال، ودورها الفعال في التربية والبناء وفي التغيير الشامل، ولعل إفراده لكتاب خاص بموضوع المرأة والأسرة، كتاب تنوير المومنات، خير دليل على ذلك.
ومهما قلنا في هذا الرجل فلن نوفّيه حقه، فهو بحق مفخرة لهذه الأمة.
من فضل الله علينا ونعمته أن سخر لنا صحبة هذا الولي المرشد دلنا على الله عز وجل، فصحبته كنز حقيقي غرف من معينها أجيال من المومنين والمومنات قدر الله أن أكون منهم، وأشهدَ عن قرب الرعاية الأبوية التي خص بها الحبيب المرشد رحمه الله المومنات من مجالسة وتوجيه ودعم وتنظير للعمل. فقد نور طريقنا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، حرر إرادتنا لنتعلق بمعالي الأمور، وتكون لنا همم عالية في طلب القرب منه عز وجل، علمنا كيف نسلك إلى الله تعالى، كيف نتأدب مع خلق الله ونحسن معاملتهم، وعلى رأسهم الوالدين والأزواج والأبناء وذوي القربى، كيف نحب في الله ونكون إخوانا وأخوات الآخرة، كيف نبني أسرا مستقرة أساسها السكينة والمودة والرحمة، كيف نربي أبناءنا على حب الله ورسوله، وعلى القوة والأمانة، كيف نهتم بأمر المسلمين، وندعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة.
رحم الله الإمام الجليل وجعلنا من عمله الصالح، وإنا إن شاء الله وفيات للعهد، ماضيات على الدرب.